مستجدات قانون المسطرة الجنائية بالمغرب 2025-2026: الإصلاح الشامل وضمانات المحاكمة العادلة
بعد أكثر من عقدين على العمل بـقانون المسطرة الجنائية 22.01، جاء التحديث بـقانون المسطرة الجنائية 03.23 ليشكل علامة فارقة في مسار إصلاح منظومة العدالة بالمغرب. اعتماد هذا القانون يعكس إرادة الدولة في تقوية حقوق الدفاع، ضمان المحاكمة العادلة، ومواءمة المساطر الجنائية مع المعايير الدستورية والحقوقية، ويُعد هذا الإصلاح الأكثر شمولية منذ سنوات، مسجلاً تغييرات مهمة على مستوى الإجراءات، الاختصاصات، حماية الحقوق، وضمانات السلامة القضائية. في هذا المقال، نسلط الضوء على أهم هذه التعديلات، ما يميزها، وما يترتب عليها من آثار عملية.
متى ولماذا؟ فترة سريان القانون وأهداف الإصلاح
نُشِر القانون 03.23 في الجريدة الرسمية وعددها 7437 بتاريخ 8 شتنبر 2025، وقد تم تحديد تاريخ 8 دجنبر 2025 كبداية لتطبيقه فعلياً، ما يمنح مؤسسات العدالة فترة إعداد للانتقال إلى المنظومة الجديدة، والهدف من هذا الإصلاح هو تحديث المساطر الجنائية، ترشيد الإكراه البدني، تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة، حماية الحقوق والحريات، وتكييف التشريع مع روح الدستور الجديد والتزامات حقوق الإنسان.
أبرز التعديلات — ما الجديد في المسطرة الجنائية
- تعزيز ضمانات المحاكمة العادلة وحقوق الدفاع
- تعزيز حق الدفاع وقرينة البراءة.
- توسيع نطاق المساعدة القانونية، وتمكين المتهم من الاتصال بمحام، والحصول على ترجمة عند الحاجة.
- الحد من اللجوء إلى الحراسة النظرية، وجعلها تدبيراً استثنائياً.
- تشديد الضوابط على الاعتقال الاحتياطي، مع إلزامية تعليل قرارات الإيداع بالسجن وتفعيل بدائل احترازية.
- تنظيم سير الأبحاث والإجراءات الجنائية
- تحديث آليات العدالة الجنائية، وتبسيط المساطر بما يضمن السرعة والفعالية.
- رقمنة الإجراءات في بعض المجالات (كما أشير في بعض التحليلات)، بهدف تجويد عمل المحاكم والإدارة القضائية.
- إعادة تنظيم اختصاصات النيابة العامة والضبط القضائي
- تعديل قواعد الاختصاص المحلي: أصبحت المؤسسة السجنية التي يوجد بها المشتبه فيه معياراً جديداً لتحديد الاختصاص المحلي للنيابة العامة — إضافة إلى معايير مثل مكان ارتكاب الجريمة أو محل ضبط المشتبه فيه.
- توسيع الاختصاص النوعي ليشمل فئات جديدة (مثل بعض المسؤولين أو الفئات الخاصة) في قضايا معينة، ما يعيد توزيع صلاحيات التحقيق والمتابعة.
- ضوابط مشددة في ملفات الفساد والجرائم المالية
- في قضايا مرتبطة بالمال العام، لا يمكن مباشرة الأبحاث إلا بعد إحالة رسمية من جهات مثل المجلس الأعلى للحسابات أو طلب من المفتشيات العامة أو الهيئات المكلفة بمكافحة الفساد.
- هذا الشرط هدفه ضمان جدية واختيارية في التحقيقات، لكنه أثار جدلاً بشأن مدى استقلالية النيابة العامة في متابعة الفساد.
- تعزيز حقوق الضحايا والمتضررين
- القانون الجديد يمنح الضحايا حقوقاً موسَّعة: من الحق في الإشعار بمآل الدعوى، إلى الحصول على دعم قانوني واجتماعي إذا كانت الجريمة تمس العنف (خصوصاً ضد النساء والأطفال).
- إشعار الأطراف المعنية — محامين، ضحايا، مشتكين — بقرارات النيابة العامة خلال مهلة زمنية محددة (مثلاً 15 يوماً) لزيادة الشفافية.
التطبيق العملي — ماذا يعني هذا للمغاربة على أرض الواقع
- المواطن العادي أصبح أكثر تمكيناً من الدفاع عن نفسه، مع ضمانات قوية لحقه في محاكمة عادلة، ما يعزز الثقة في القضاء.
- قضايا الفساد والجرائم المالية قد تشهد بطء في بداية التطبيع بالنظر إلى الإجراءات الجديدة (الإحالات والطلبات الإدارية)، لكن ذلك قد يضمن معالجة أكثر جدية وشفافية للقضايا الحساسة.
- النيابة العامة صار عليها دور أوسع، لكن مع مسؤولية أكبر في التأطير القضائي، ما قد يفرض حاجة لتكوين وتأهيل القضاة والموظفين القضائيين.
- الضحايا صار لهم دور أكبر في المسار القضائي، مع ضمان إشعارهم ومتابعة أوضاعهم، ما يمثل تقدماً مهماً في الحماية الحقوقية.
الإشكالات والانتقادات المحتملة
- شرط الإحالة من جهات إدارية في قضايا الفساد قد يُعتبر قيداً على استقلالية النيابة العامة وحرية التحقيق، وهو ما أثار جدلاً لدى بعض الحقوقيين.
- توسيع صلاحيات الضبط القضائي لبعض الفئات قد يثير مخاوف من سوء استعمال، خصوصاً في المناطق القروية أو ذات موارد بشرية محدودة.
- فعالية الإصلاح مرتبطة بقوة التطبيق: التأهيل القضائي، تجهيز المحاكم، وضبط ممارسات ضباط الشرطة والنيابة وهو ما قد يستغرق وقتاً.
في الختام إقرار وتفعيل قانون المسطرة الجنائية الجديد يمثل خطوة تاريخية نحو تحديث العدالة الجنائية بالمغرب، وتكريس دولة الحق والقانون، الإصلاح يعكس نضجاً تشريعياً ومؤسسياً، وقد يضع المغرب في مصاف دول تقدّر حقوق الأفراد وتحارب الإفلات من العقاب.
لكن التحدي الحقيقي سيكون في التنفيذ: قدرة مؤسسات القضاء والنيابة والشرطة على التكيّف، وضمان أن تكون التعديلات أكثر من نصّ على الورق، بل واقعاً ملموساً يخدم المواطن ويعزز ثقة الجميع في النظام القضائي، في المرحلة المقبلة، من المهم مراقبة كيف ستُترجم هذه النصوص عملياً، وهل ستنجح ضوابط الفساد، حماية الحقوق، وتسريع المساطر فعلاً كما وَعدت، أم ستبقى المقولة مجرد طموح.





















































