اتفاقية 1968 بين الجزائر وفرنسا: إرث ما بعد الاستعمار وتحولات «الاتفاق الخاص»

اتفاقية 1968 بين الجزائر وفرنسا

اتفاقية 1968 بين الجزائر وفرنسا: إرث ما بعد الاستعمار وتحولات «الاتفاق الخاص»

تمثل العلاقة بين الجزائر وفرنسا مزيجاً من التاريخ العميق، الاستعمار، الاستقلال، والتحولات السياسية والاجتماعية، في هذه السياق جاء توقيع اتفاقية 27 ديسمبر 1968، أو رسمياً «اتفاقية بين حكومة الجمهورية الفرنسية وحكومة الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية بشأن حركة وإقامة وعمل رعايا الجزائر وعائلاتهم في فرنسا»، وتهدف هذه المقالة إلى تحليل هذه الاتفاقية من جوانب متعددة: السبب في التوقيع، مضمونها، تطورها، موقعها القانوني، ومآلاتها وتأثيرها حتى اليوم.

السياق التاريخي اتفاقية 1968 بين الجزائر وفرنسا

بعد استقلال الجزائر عام 1962 وانتهاء حرب الاستعمار التي استمرت بين الجزائر وفرنسا، تم توقيع اتفاقيات إفيان التي أنهت الصراع ومنحت استقلال الجزائر، لكن التبادل البشري بين البلدين – حركة العمال، الإقامة، العائلات – ظلّ يشكّل تحدّياً. في أعقاب ذلك، ورغبةً في تنظيم أوضاع العمالة الجزائ ـــ الفرنساوية، تم التفاوض على هذا الاتفاق في 21-25 أكتوبر 1968 في الجزائر، ثم توقيعه في 27 ديسمبر 1968. 
من أبرز ما في السياق: الحاجة الفرنسية آنذاك لليد العاملة الأجنبية، والتوجّهات الجزائرية – بعد الاستقلال – لتنظيم تدفق العمال وتأثيره على المجتمع الجزائري.

أبرز بنود الاتفاقية

  • تنص اتفاقية 1968 بين الجزائر وفرنسا في مادتها الأولى على «حصة» سنوية محددة من العمال الجزائريين المقبولين للعمل في فرنسا: 35 000 عامل سنوياً لثلاث سنوات.
  • يُمنح العامل الجزائري الذي يدخل فرنسا باتّفاق للعمل بطاقة إقامة «خاصة بالجزائريين» (Carte de Résidence Algérienne) لمدة خمس سنوات، بموجب بعض الشروط (إيجاد عمل في الأشهر التسعة الأولى من الدخول، إلخ).
  • يُعطى أيضاً حقّ إقامة طويلة (10 سنوات) لمن أمضى ثلاث سنوات في فرنسا، وما إلى ذلك.
  • الاتفاق يشمل أيضاً أفراد عائلة العامل: الزوج/الزوجة والأبناء القصر.
  • كما ينص على أن الجزائريين الذين يدخلون فرنسا «ليسوا مقصودين لممارسة عمل مأجور» لديهم حرّية المرور، وذلك ضمن شروط محددة.

تطوّرات وتعديلات ما بعد التوقيع

على الرغم من توقيع الاتفاق عام 1968، إلّا أنّه خضع لتعديلات لاحقة:

  • في عام 1986 تم إدخال تأشيرة دخول للجزائريين، كما جُدد الاتفاق، ما مثّل بداية تآكل الامتيازات المنصوص عليها.
  • كذلك، أُعيد النظر قانونياً في فرنسا في إطار قانون الدخول والإقامة للأجانب (CES­E­DA)، مما أدّى إلى مزيد من التقارب بين وضع الجزائريين وبقية الأجانب.
  • في السنوات الأخيرة، يطالب بعض السياسيين الفرنسيين بإلغاء أو تعديل الاتفاق، معتبرين أن ظروف 1968 تغيّرت وأن هذا «النظام الخاص» لم يعد مبرَّراً.

الجانب القانوني والمواقف الراهنة

الاتفاق مصنّف كمعاهدة دولية – الرقم 9640 – وهو مُسجَّل لدى الأمم المتحدة. 
من الناحية القانونية، يُعدّ هذا الاتفاق فوق التشريع الوطني الفرنسي (باعتباره معاهدة دولية)، ما يعني أن بعض أحكامه لها تأثير مباشر على أفراد الجزائر في فرنسا.
إلا أن الواقع العملي تغيّر كثيراً: فقد تقول الحكومة الفرنسية إن الجزائر لا تتعاون في تنفيذ بعض بنود الاتفاق، مثل إعادة الجزائريين المُدانين أو المرفوضين المقيمين في فرنسا. 
من جانبها، الجزائر حذّرت فرنسا من المساس بهذا الاتفاق، معتبرة أنه جزء من الاتفاقيات الثنائية ولن تُقبل تهديداً بإلغائه أو تعديله من طرف واحد

أهم الأبعاد والانتقادات

  • البُعد التاريخي-الاستعماري: كثير من المراقبين يرون أن الاتفاق يُعدّ جداً إرثاً من حقبة ما بعد الاستعمار، تمّ في سياق لا يزال فيه تأثير فرنسا قوياً على الجزائر.
  • البُعد الاجتماعي والاقتصادي: وفّر الاتفاق إطاراً خاصاً للجزائريين في فرنسا، من حيث العمل والإقامة، ما اعتُبر «معاملة مميزة» مقارنة بجنسيات أخرى.
  • البعد القانوني-الدبلوماسي: احتلّ الاتفاق موقعاً جدلياً في النقاشات الفرنسية حول الهجرة، حيث يرى البعض أنه يتعارض مع مبادئ المساواة والتنظيم الحديث للهجرة.
  • البُعد التوترات الجزائرية-الفرنسية: في ظلّ تدهور العلاقات بين البلدين، عاد الاتفاق إلى واجهة الجدل كإحدى «العقود» التي تُستعمل كورقة ضغط بين باريس والجزائر.

تأثير الاتفاق اليوم ولماذا يُهمّ

يُهمّ هذا الاتفاق اليوم لأن:

  1. لا يزال يطبّق إلى حدّ ما، ويُشكّل إطاراً قانونياً مميزاً للجزائريين في فرنسا.
  2. يشكّل أحد محاور التوتر في العلاقات بين البلدين، سواء من حيث الهجرة أو التعاون القضائي أو الدبلوماسي.
  3. يُعدّ مثالاً على كيفية استمرار «اتفاقات ما بعد الاستعمار» في التأثير على السياسات المعاصرة للبلدين.
  4. يمثل موضوعًا ذا أهمية كبيرة للباحثين في قانون الهجرة، العلاقات الدولية، والهوية الجزائرية-الفرنسية، وكذلك للصحفيين والمتابعين للشأن السياسي.

توقعات المستقبل

في الختام يمكن القول إن اتفاقية 27 ديسمبر 1968 بين الجزائر وفرنسا كانت مناسبةً تاريخية لتنظيم حركة واستقرار الجزائريين في فرنسا بعد مرحلة الاستقلال، لكن الزمن تغيّر والواقع الاجتماعي والقانوني والسياسي تطوّر، واليوم يطرح السؤال: هل ما زالت هذه الاتفاقية ملائمة لعصرنا؟ وهل يجوز تعديلها أو حتى إلغاؤها؟ بعض الأصوات في فرنسا تدعو إلى ذلك، لكن التعديل أو الإلغاء ليس أمراً بسيطاً من الناحية القانونية والدبلوماسية.
ومن جهة الجزائر لا يزال الاتفاق يُعتبر جزءاً من «الاتفاقيات الخاصة» التي تمنحها حقوقاً تاريخية. لذا، يبقى مستقبل الاتفاق مفتوحاً: بين التعديل أو الإبقاء أو حتى إعادة التفاوض من أساس جديد.

You May Have Missed

اشترك ليصلك كل جديد OK No thanks